تكتب نسرين مالك أن القوى الخليجية غالبًا ما تُعتبر ثابتة وغير قابلة للتغيير، مدعومة بثروات هائلة وحكم ملكي مطلق، وعلاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة. أسبوع الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران وردود إيران الصاروخية سلط الضوء على ما تصدّره هذه الدول (النفط والغاز) وما تستورده (المهربون من الضرائب والعمالة).

 

إلا أن الصراع الحالي سيترك آثارًا عميقة على المنطقة بأسرها، وليس فقط على الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فالنظام السياسي المعقد والمتداخل في الشرق الأوسط أكثر هشاشة مما يبدو.


تحولات الخليج الثلاثة


خلال السنوات الماضية، أجرت ثلاث دول خليجية تغييرات ملحوظة: السعودية وقطر والإمارات. أثرت هذه التحولات على مناطق تمتد من ليبيا إلى فلسطين. الهجمات في 7 أكتوبر، التي أشعلت سلسلة الأحداث الحالية، جاءت جزئيًا نتيجة رغبة حركة حماس في إيقاف عملية التطبيع التي كانت السعودية تنفذها مع إسرائيل بعد توقيع الإمارات ودول أخرى لاتفاقيات أبراهام في 2020. اتبعت هذه الدول الثلاث أجندات طموحة عالميًا وإقليميًا، وغالبًا كانت متعارضة، وهي أكثر تقلبًا مما يوحي به حكمها العائلي طويل الأمد.


انطلقت السعودية في مسار تحرير داخلي، فحطمت سنوات من التقاليد الاجتماعية والدينية. قبل بضع سنوات، واجهت المملكة تهديدًا بالانعزال الدولي عقب اغتيال جمال خاشقجي، وحملتها الحملة الجوية على اليمن على دعوات لمقاطعة السلاح. اليوم، حول محمد بن سلمان السعودية إلى بلد يعج بالحفلات الخارجية، وعروض الأزياء والفعاليات الرياضية الكبرى، محاولةً مواكبة قطر والإمارات، اللتين استثمرتا في جعل بلديهما مراكز نفوذ عالمي في المال والترفيه.


الإمارات وقطر: بين النفوذ والاعتدال


اتخذت الإمارات مسارًا توسعيًا عبر تمويل جماعات بالوكالة وحروب في اليمن وليبيا والسودان لتعزيز نفوذها الاستراتيجي وأصولها الذهبية. أدى هذا الطريق مؤخرًا إلى صراع مع حليفتها السعودية بسبب تقدم القوات المدعومة من الإمارات في اليمن.

 

أما على صعيد التطبيع مع إسرائيل، فكانت الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي وقعت اتفاقيات أبراهام، مشيرة إلى أن مبدأ الدولة الفلسطينية لم يعد أولوية، واعتمدت دولة معاملاتية متماشية مع نظام عالمي جديد يركز على القوة والمال، بعيدًا عن الأعباء الدينية والثقافية السعودية.


تقف قطر على خط رفيع، فبعد الحصار الذي فرضته الإمارات والسعودية عام 2017، توازن بين دعم القضية الفلسطينية واستضافة مسؤولي حماس وإرسال المساعدات إلى غزة، وبين استضافة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة والتعاون مع إيران في حقل الغاز المشترك في الخليج.

 

جميع هذه الدول تمر بنقاط انعطاف سياسية، وتنافس حاد قائم بينها. إغلاق الأجواء، وتوقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال وربما النفط، وزلزال الحرب بالصواريخ والطائرات المسيرة واعتراضاتها، كلها أشياء لا يمكن الاستخفاف بها، فحتى دون مشاركة عسكرية مباشرة، تعتبر هذه الدول في حالة حرب.


تكلفة الحرب وأمن الخليج


يمكن للصناديق السيادية امتصاص الكثير من الأعباء الاقتصادية، لكن الوضع الأمني في الخليج أصبح أكثر تعقيدًا. يبقى السؤال حول المدة: كم من الأيام أو الأسابيع أو الأشهر يمكن للخليج تحمل تبعات الحرب، خاصة وأن إمدادات المياه العذبة، المعتمدة على محطات تحلية مكثفة الطاقة، قد تكون معرضة للخطر؟

 

السؤال الآخر يتعلق بتورط هذه الدول، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أجندة إسرائيل والولايات المتحدة للسيطرة على الشرق الأوسط. كلما طال هذا الوضع، أصبح من الأصعب على القادة الحفاظ على مفهوم السيادة وإظهار السيطرة والقدرة على إدارة الأزمات.


ينتظر المنطقة سلسلة عواقب غير مقصودة. قد تزيد الصدمات الاقتصادية من دفع الإمارات نحو تمويل الحروب في أفريقيا لتأمين الموارد الخام. يظل هناك خطر تصعيد الخلافات بين القوى الخليجية حول مدى دعمهم لأطماع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب مصالحهم. كما يهدد الانهيار المحتمل لإيران على حدودهم بزيادة تعقيد الوضع الإقليمي. ما يحدث الآن يمثل نزيفًا هائلًا في رأس المال السياسي والاقتصادي الذي جمعته دول الخليج على مدى عقود.


الآثار الاقتصادية العالمية واضحة، لكن هذه الدول ليست مجرد مزودين للطاقة. يعيش فيها شعوب لا يمكن اختزالها في مجرد وسطاء للطاقة والمال، ويجب الاعتراف بإنسانيتهم وحقوقهم في إدارة مصيرهم، بعيدًا عن تصورات القوى الغربية. بعد انتهاء الحرب، ومع انتقال ترامب ونتنياهو إلى أزمات أخرى، ستظهر خريطة جديدة للمنطقة مليئة بالاستياء والمنافسات وتداعيات أمنية ستواجه سكانها لأجيال قادمة.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/mar/09/us-israel-war-iran-gulf-monarchies